بكل وضوح: إلى الحكومة والنخب والشعب/ محمد الأمين الفاضل

في أوقات الأزمات، والعالم يعيش اليوم أزمة بالغة الخطورة بسبب الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط، يكون من واجب من يتحدث في الشأن العام أن يتحدث بصدق ووضوح، وأن يضع في حديثه ـ لم أقل في فعله، فنخبنا قليلة الأفعال ـ المصلحة العليا للبلد فوق أي مصلحة أخرى.

إلى الحكومة

ما يجب أن يُقال للحكومة في أيامنا الصعبة هذه، وبعيدا عن أي لف أو دوران، يمكن تلخيصه في جملة واحدة: إن الإجراء الأول، أو التدبير الأول، أو الخطوة الأولى التي على الحكومة أن تتخذها لمواجهة أزمة الطاقة، والتذبذب الحاصل في سلاسل التموين، يجب أن تكون محاربة الفساد، والخطوة الثانية يجب أن تكون كذلك محاربة الفساد. أما الخطوة الثالثة التي يجب أن تتخذها الحكومة لمواجهة الأزمة الحالية، فهي أيضا محاربة الفساد.

إن أهمية محاربة الفساد لا تتوقف فقط عند توفير موارد مالية ضخمة من خلال استعادة الأموال المنهوبة، والتي تتراوح نسبتها في الدول المشابهة لنا بين (10 ـ 25) % من الإنفاق الحكومي، ولا تتوقف أهميتها كذلك عند كونها، بالإضافة إلى استعادة الأموال المنهوبة، ستسد منافذ النهب المحتملة. إن محاربة الفساد، بالإضافة إلى كل ذلك، تعطي مصداقية قوية جدا لكل القرارات والإجراءات الحكومية، فعندما يشعر المواطن بأن الحكومة جادة في محاربة الفساد، وأنها لم تعد تقبل بأن تُنفق أوقية واحدة إلا في الصالح العام، فحينها سيستجيب لكل الإجراءات التقشفية التي ستطالب بها الحكومة، ولن يتردد في الاستجابة لأي إجراء تقشفي تطالبه به الحكومة، حتى وإن كان ذلك الإجراء الاكتفاء بوجبة واحدة في النهار، أو بكأس شاي واحد كل 24 ساعة، أو الانتقال إلى مكان العمل سيرا على الأقدام. وعلى العكس من ذلك، فإذا شعر المواطن بأن الحكومة غير جادة في محاربة الفساد، فهو في هذه الحالة لن يستجيب لمطالبها، ولا لإجراءاتها التقشفية، حتى وإن اشتدت هذه الأزمة، وحتى وإن كانت تلك الإجراءات التقشفية مبررة ومشروعة، ولا يمكن التشكيك في وجاهتها.

لقد تجاوب الشعب الموريتاني بحماس كبير مع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال فترة جائحة كورونا، وتبرع المواطنون لصندوق كورونا بكرم حاتمي؛ فمنهم الغني الذي تبرع بمئات الملايين، ومنهم الفقير الذي تبرع بمائتي أوقية قديمة، وللأسف فلم يسلم صندوق كورونا من عمليات فساد، حسب تقارير رسمية، فأين هم الآن أولئك الموظفون الذين اعتدوا على مال عام جمعته الدولة وشركاؤها والمواطنون العاديون في ظل جائحة هددت العالم أجمع؟

إن المطلوب الآن من الحكومة، لمواجهة أزمة عالمية من الراجح أنها ستتمدد وتتوسع مستقبلا، هو أن تتخذ جملة من الإجراءات الحازمة والصارمة، تقنع من خلالها الشعب الموريتاني بأنها جادة في محاربة الفساد، وأن الفساد لم يعد مقبولا بشكل قاطع، وعندما يقتنع الشعب الموريتاني بجدية الحكومة في محاربة الفساد، فسيكون من السهل جدا تمرير كل الإجراءات والتدابير التقشفية الأخرى، حتى وإن كانت قاسية جدا. وإذا لم يقتنع الشعب الموريتاني بجدية الحكومة في محاربة الفساد، فسيبقى من الصعب جدا تمرير أي إجراءات تقشفية مهما كانت وجاهتها وشرعيتها.

يبقى أن أقول، في ختام هذه الفقرة من المقال: إن الذكاء الجمعي للشعوب لا يخطئ عادة، فعندما يتولد شعور جمعي لدى شعب ما بأن حكومته تحارب الفساد بشكل جدي، فذلك يعني أنها تُحارب فعلا الفساد بشكل جدي، وإذا لم يتولد شعور جمعي لدى شعب ما بجدية حكومته في محاربة الفساد، فذلك يعني أن تلك الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات مستعجلة وصارمة لإقناع شعبها بأنها جادة في محاربة الفساد.

إلى النخب

على النخب، بمختلف أشكالها وأطيافها، أن تدرك بأن العالم مقبل على أيام صعبة، وأن ذلك سينعكس قطعا على بلادنا. صحيح أن ترامب شخص متناقض في خطاباته، فهو يتناقض حتى في التغريدة الواحدة، وقراراته وتصرفاته لا يحكمها أي خيط ناظم يتيح استشراف قراراته وتصرفاته مستقبلا، ومع ذلك فلا بد أن نتوقف مع كلمته الأخيرة، والتي جاءت في خطابه الأخير الموجه للشعب الأمريكي. لقد قال في خطابه هذا إنه سيعيد إيران إلى العصر الحجري، ويعني ذلك أنه سيدمر محطات الماء والكهرباء في إيران، ولا يُستبعد من شخص متهور مثل ترامب أن يفعل ذلك. في المقابل، فإن إيران لن تتردد في الوفاء بوعدها بإغراق المنطقة في ظلام دامس، إن نفذ ترامب تهديده، ولا يُستبعد من إيران أن تفعل ذلك، فالظاهر أن إيران قد انتقلت بالفعل من "الصبر الاستراتيجي" الذي كان يمنعها من الرد، حتى وإن قُصفت في وضح النهار، إلى "الجرأة الاستراتيجية" التي جعلتها تقصف ست دول في المنطقة في وقت واحد!

كل الاحتمالات مفتوحة على المزيد من الدمار، فترامب متهور، وإيران حسمت أمرها في المواجهة، ويعني ذلك أن الأزمة العالمية ستتفاقم، وحتى وإن توقفت الحرب في يومنا هذا، فإن الأزمة ستستمر لأشهر، وربما لأعوام، وواجب النخبة في أوقات الأزمات هو أن تضع المصلحة العليا أولا، والمصالح الضيقة والشخصية ثانيا وثالثا.

إن وضع المصلحة العليا للبلد أولا، قبل مصلحة النظام بالنسبة للنخب الداعمة، وقبل مصلحة المعارضة بالنسبة للنخب المعارضة، وقبل المصلحة الشخصية للفرد، مطلوب دائما في كل الأحوال، ولكنه مطلوب بإلحاح في زمن الأزمات العالمية أو الإقليمية أو المحلية، ونحن نعيش اليوم أزمة عالمية، وأزمة إقليمية، ولا بد أن تكون لهما انعكاساتهما على المستوى المحلي.

لا أظن أن تثمين الأغلبية لما قامت به الحكومة من إجراءات، والاكتفاء بذلك التثمين، هو الخيار الأمثل، ولا أظن كذلك أن نقد المعارضة للإجراءات التقشفية، والمطالبة بالنزول إلى الشارع، هو الخيار الأمثل في هذه الفترة.

في اعتقادي الشخصي، أن الخيار الأسلم في ظل أزمة عالمية كالتي نعيش اليوم، يقوم على ثلاث مرتكزات أساسية:

1 ـ تحصين الجبهة الداخلية من خلال التهدئة السياسية والحوار؛

2 ـ محاربة الفساد بشكل حازم وصارم؛

3 ـ البحث عن آلية وطنية تجمع بين الأغلبية والمعارضة لمواجهة انعكاسات الأزمة العالمية على بلادنا، وأن تكون تلك المواجهة من خلال إجراءات وتدابير وطنية يتفق عليها الجميع، ويشارك في تنفيذها الجميع.

هذا هو ما يجب أن تدعو إليه النخب في كتاباتها وأحاديثها، في مثل هذه اللحظة الحرجة عالميا، والمقلقة وطنيا؛ أن تدعو إلى ذلك بعيدا عن التخندقات والتموقعات، وبعيدا عن المصالح الشخصية الضيقة.

إلى الشعب

لكل أزمة جانبها المضيء، والكارثة هي أن نعيش الأزمة بكل آلامها وتبعاتها، ولا نستفيد، في الوقت نفسه، من جانبها المضيء.

إن الشعب الموريتاني بحاجة إلى تغيير جذري في العقليات وفي بعض المسلكيات، والوقت الأمثل لذلك هو عندما تكون هناك أزمة عالمية تفرض تغيير تلك العقليات والمسلكيات.

على الشعب الموريتاني أن يعلم أن الوقت لم يعد وقت تبذير في الإنفاق ولا في الاستهلاك، ولم يعد كذلك وقت كسل وتكبر عن بعض الأعمال التي ما زال الأجانب يستنزفون بها ثرواتنا.

لا بد من حملات توعوية كبرى لتغيير العقليات والمسلكيات، ولا نريد، بالمناسبة، تكرار حملات توزيع "لمغاسل" التي عشناها في فترة جائحة كورونا. إننا نريد حملات توعوية جدية، تنطلق من الشعب بمختلف مكوناته، يقودها المجتمع المدني بمفهومه الواسع: العلماء، منظمات المجتمع المدني، الأحزاب السياسية، النقابات، وتدعمها الحكومة. أما الحملات التي تنطلق من الحكومة، ومن الولاة، ومن موظفي الدولة، أي من الجهات التي لا علاقة لها أصلا بالحملات التوعوية والتحسيسية، فمثل تلك الحملات كثيرا ما تفشل، وتتحول في الغالب الأعم إلى عمل شبه مسرحي، فهذا هو ما يقوله كتاب أرشيف الحملات الحكومية عندما تفتحونه من صفحة حملة محو الأمية، مرورا بكل الحملات الحكومية التي تلت حملة محو الأمية.

حفظ الله موريتانيا...

 

j