تقوم المقاربة التي ينتهجها النظام الحالي، في جوهرها، على توسيع دائرة المشترك، وتغليب الحوار والتهدئة، وصون السلم الاجتماعي، والابتعاد عن كل ما من شأنه تغذية الاستقطاب أو إعادة إنتاج الحساسيات بين مكونات المجتمع. وهي مقاربة تجعل من التماسك والتعاون وتقديم المصالح المشتركة أساسًا للتعامل مع الاختلاف، بما يعزز الثقة ويحصّن المجتمع من كل ما قد يضعف نسيجه.
وتكتسب هذه المقاربة في تكانت دلالة خاصة، بالنظر إلى ما راكمته الولاية عبر أجيال من تجربة راسخة في تعايش مجموعاتها وتعاونها وتداخل مصالحها. فقد تعاقبت الأجيال، وتنوعت مواقع التأثير، وتبدلت الظروف، بينما بقيت روابط الجوار والمصالح والعلاقات الاجتماعية أوسع من أي تباين، وظل المشترك هو المساحة التي يلتقي فيها الجميع.
ومن هذا المنطلق تأتي هذه السطور. فقد استمعت، كما استمع غيري، إلى صوتية متداولة، وقد يُفهم من بعض ما ورد فيها ما يمكن أن يثير حساسيات بين مكونات متعايشة في الولاية، في سياق حديث عن شعور بالغبن. وليس المقصود هنا الدخول في نقاش حول صاحبها أو تفسير مقاصده، وإنما التذكير بأن رصيد التعايش والثقة والتعاون الذي راكمته تكانت عبر الزمن أكبر من أن يكون مجالًا لأي خطاب قد يضعفه، أو يعيد قراءة المشترك من زاوية ما يفرق.
ولم يكن التقسيم الإداري، في يوم من الأيام، إلغاءً لهذا المشترك، وإنما تنظيمًا لبعض المصالح والاختصاصات؛ أما المصالح العامة فظلت شأنًا يجمع الجميع، تحكمه قواعد الإنصاف وتوازن المصالح وروح التوافق، وهي قيم لا ينبغي أن تتأثر بتباين في المواقع أو وجهات النظر.
وتتأكد مسؤولية الحفاظ على هذا الرصيد حين يتعلق الأمر بالخطاب الصادر ممن منحتهم الناس ثقتها وأسندت إليهم مسؤولية تمثيلها؛ فالموقع التمثيلي لا يقتصر على التعبير عن المواقف، بل يقتضي كذلك اختيار ما يجمع ويطمئن ويحفظ الثقة. ولهذا يكون من الحكمة أن تُستدرك الإشارات التي قد تحمل قابلية لإثارة الحساسية في بدايتها، قبل أن تتسع دائرة تداولها، أو تجد طريقها إلى من لا يعنيه من الأمر إلا تحويل الاختلاف إلى خلاف، والخلاف إلى اصطفاف.
فتكانت ليست في حاجة إلى استدعاء ما يفرق أبناءها، وإنما إلى مواصلة البناء على تاريخ طويل من التعايش، وتعزيز اللحمة بين مجموعاتها، وتقديم المصالح المشتركة على ما عداها. فكل ما يعزز هذا المسار يخدم الولاية، وكل ما يضعفه، مهما كان مصدره أو مبرره، يستحق أن يُقابل بالوعي والمسؤولية.
وما ورثناه عن الأجيال ليس مجرد تاريخ يُروى، بل رصيد اجتماعي وسياسي وأمانة مشتركة. والأجدر بنا أن نضيف إليه لا أن ننتقص منه، وأن نترك للأجيال القادمة تكانت أكثر تماسكًا وتعاونًا، وأن نجعل من اختلافاتنا مجالًا للتكامل، لا سبيلًا إلى التفرقة.
محمد لحظانه








