بين لغة الأرقام ونبض الواقع: قراءة في حصيلة الحكومة 2025 / محمد محمود ولد سيدالأمين

قراءة تحليلية في عرض الوزير الأول السيد المختار ولد انجاي  أمام البرلمان، تحاول تفكيك الحصيلة الحكومية بين وفرة الأرقام وحدود انعكاسها على الواقع ، واستشراف ما إذا كانت آفاق 2026 تحمل ملامح  تصحيح للمسار أم استمرارًا للمسار المعتمد .

في عرضه أمام الجمعية الوطنية لحصيلة عمل الحكومة خلال سنة 2025، والآفاق العامة لبرنامجها لسنة 2026، اختار الوزير الأول خطابًا مركّبًا جمع بين إبراز نسب الإنجاز، والاعتراف النسبي بالتعثّر، والاستناد المتكرر إلى مرجعية برنامج رئيس الجمهورية “طموحي للوطن” الذي طُرح خلال الانتخابات الرئاسية الماضية بوصفه الإطار الناظم للعمل الحكومي. 

غير أن أهمية هذا العرض لا تكمن فقط في حجم الأرقام ولا في كثافة المشاريع، بل في ما تطرحه الحصيلة من أسئلة جوهرية حول الانتقال من منطق الإنجاز إلى الأثر الواقعي ، ومن الوفاء الشكلي بالالتزامات إلى التغيير الفعلي في حياة المواطنين.

وهو ما يجعل من هذا العرض لحظة مناسبة، لا للاحتفاء بالأرقام بحد ذاتها، بل لمساءلة دلالاتها وحدودها، وما إذا كانت تعكس فعلًا تحوّلًا في السياسات العمومية أم مجرد انتظام إجرائي .     

لا شك أن إعلان تنفيذ 92% من الالتزامات الحكومية، منها 74% بشكل كامل، يبعث برسالة سياسية قوية مفادها أن الحكومة ملتزمة بتعهداتها وقادرة على المتابعة والتنفيذ. غير أن هذا المؤشر، رغم أهميته، يظل مؤشرًا إجرائيًا لا يقيس بالضرورة جودة التنفيذ، ولا استدامته، ولا انعكاسه المباشر على واقع الخدمات العامة. فبين “تنفيذ الالتزام” و“تحسن الخدمة” مسافة ليست قصيرة، وقد كشفت الحصيلة نفسها، دون مواربة، أن جزءًا معتبرًا من المشاريع ما يزال في طور الإنجاز، أو تأخر لأسباب تقنية ومالية وإجرائية، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كنا أمام حكومة تكتفي بإنجاز المشاريع، أم أمام حكومة  تنجح فعلًا في تغيير شروط العيش.

وفي مجال الحكامة ودولة القانون، يظهر جهد واضح في مراجعة القوانين وتعزيز الرقابة وإطلاق آليات مكافحة الفساد، من سنّ قوانين جديدة إلى تفعيل هيئات رقابية وتوسيع التفتيش واسترجاع الأموال العمومية. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في كثرة النصوص، بل في قدرتها على خلق شعور عام بعدالة المحاسبة. فالفساد، كما أشار رئيس الجمهورية، ليس فقط ماليًا، بل إداريًا وسلوكيًا ومجتمعيًا، وهو اعتراف مهم، لكنه يضع الحكومة أمام اختبار صعب يتعلق بمدى قدرتها على كسر حلقة الإفلات من العقاب، وتحويل مكافحة الفساد من سياسة فوقية إلى ثقافة مؤسسية راسخة.

اقتصاديًا، تُظهر المؤشرات الكلية تحسنًا نسبيًا يتمثل في تضخم منخفض، وعجز مضبوط، واحتياطات مريحة، وتوقعات نمو إيجابية. غير أن المواطن العادي لا يقرأ الاقتصاد من خلال هذه النسب، بل من خلال قدرته الشرائية، وفرص العمل المتاحة له، وجودة الخدمات التي يتلقاها. صحيح أن آلية تسقيف الأسعار وتثبيت المواد الأساسية تمثل خطوة لافتة وغير مسبوقة، لكن نجاحها يظل مرتبطًا بمدى صرامة الرقابة واستدامة الاتفاقات، خاصة في ظل هشاشة سلاسل التوريد واعتماد السوق على الاستيراد. وهو ما يجعل الفجوة بين تحسن المؤشرات الكلية واستقرار الأوضاع المعيشية أحد أبرز تحديات السياسات الاقتصادية في المرحلة المقبلة، فضلًا عن استمرار إشكالية التشغيل، حيث يبقى التحدي الأكبر هو تحويل التشغيل المؤقت والبرامجي إلى تشغيل مستدام، خصوصًا لفئة الشباب.

ولا يمكن قراءة هذه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المحيط، إذ جاءت حصيلة 2025 في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتسم بعدم الاستقرار في منطقة الساحل، وتقلبات حادة في الأسواق العالمية، وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء. وفي هذا الإطار، يُحسب للحكومة قدرتها على الحفاظ على قدر من الاستقرار المالي والاقتصادي، وهو ما يمكن اعتباره إنجازًا دفاعيًا يحدّ من المخاطر، وإن كان لا يعفي من ضرورة ترجمة هذا الاستقرار إلى أثر اجتماعي أوسع وأكثر عدالة.

أما في ما يتعلق بالبنية التحتية، فيصعب إنكار حجم الورش المفتوحة في مجالات الطرق والموانئ والطاقة والمياه، وهي مشاريع استراتيجية طال انتظارها. غير أن كثافة هذه المشاريع تطرح تساؤلات تتعلق بالتنسيق، والعدالة المجالية، والصيانة والاستدامة، إذ لا يُقاس الطريق بطوله فقط، بل بوظيفته الاقتصادية و الاجتماعية الفعلية ، ولا يُقاس الماء بالإنتاج وحده، بل بانتظام التزويد و عدالة الوصول إليه ، كما لا تُقاس الكهرباء بالميغاوات، بل بالاستقرار والتكلفة.

ويظل محور الصحة والتعليم والتكوين هو الاختبار الحقيقي لأي حصيلة حكومية. وقد أظهر العرض وعيًا واضحًا بأهمية هذا الرهان، سواء من خلال توسيع البنية الصحية، أو إصلاح المدرسة الجمهورية، أو الاستثمار في التكوين المهني. غير أن الإقرار بتأخر بعض المستشفيات، وبطء إدخال تجهيزات حيوية، وتأخر بعض الإصلاحات التربوية، يعكس أن بناء رأس المال البشري ليس مسألة ميزانيات فقط، بل مسألة حوكمة تنفيذ، واستقرار سياسات، ووضوح أولويات.

ومع الانتقال إلى آفاق 2026، يبرز رهان متزايد على دور القطاع الخاص، لا بوصفه مكمّلًا للفعل الحكومي، بل كشريك أساسي في خلق فرص العمل وتحقيق النمو المستدام. ويظل نجاح هذا الرهان مرتبطًا بمدى قدرة السياسات العمومية على تحسين مناخ الأعمال، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وضمان استقرار القواعد التنظيمية، بما يسمح بتحويل الاستثمار الخاص إلى محرك حقيقي للتشغيل، بدلًا من استمرار الاعتماد المفرط على الميزانية العامة.

 

في المحصلة، تقدم الحكومة حصيلة غنية بالأرقام والمشاريع، وتعترف بتعثرات، وتطرح آفاقًا طموحة لسنة 2026. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا حاسمًا من خطاب الإنجاز إلى الأثر  الملموس في حياة المواطن ، ومن عرض الجهود إلى تعميق المساءلة، ومن إدارة المشاريع إلى إدارة التحولات. فبناء الأوطان، كما قال رئيس الجمهورية، “عمل تراكمي لا ينتهي”، لكنه أيضًا مسار لا ينجح دون تقييم دوري، وقدرة على التصحيح، وربط دائم بين السياسات العمومية وحياة المواطنين، باعتبارهم الغاية لا الوسيلة.

 

j