لا شك أن مسألة العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات الحديثة، وخاصة في الدول التي عانت من تراكمات تاريخية أثّرت على تماسكها الاجتماعي، وفي موريتانيا، برزت عدة مبادرات ووثائق تسعى إلى معالجة هذه الإشكالات، من أبرزها ميثاق لحراطين ثم ميثاق المواطنة المتكافئة، وبين هذين الميثاقين تتضح أوجه اختلاف واتفاق تعكس طبيعة التحديات المطروحة وآفاق الحلول الممكنة.
يُعتبر ميثاق لحراطين وثيقة مطلبية تعبّر عن فئة اجتماعية عانت من التهميش والإقصاء عبر فترات طويلة، حيث يُركّز هذا الميثاق على ضرورة الاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرّض لها لحراطين، والعمل على إنصافهم من خلال تمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وضمان حضورهم العادل في مختلف مؤسسات الدولة، كما يدعو إلى محاربة بقايا العبودية وكل أشكال التمييز المرتبطة بها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة.
فميثاق لحراطين برز في موريتانيا كصرخة وعيٍ جماعي ومبادرة نضالية تهدف إلى إنصاف فئة عانت طويلًا من آثار العبودية والتهميش، وسعت إلى استعادة حقوقها المشروعة في الكرامة والمواطنة الكاملة، واتسم الواقع الاجتماعي الذي جاء فيه ميلاد الميثاق بعدم تكافؤ الفرص، حيث ظلت فئة لحراطين تواجه تحديات متعددة، من أبرزها ضعف الاندماج في الحياة الاقتصادية والسياسية، واستمرار بعض مظاهر التمييز الذي كانت تعكسه المظاهر الإدارية والتعيينات الأسبوعية، والحظوة في الصفقات العمومية، وبعض الامتيازات الأخرى التي كانت مرآة عاكسة لكل أشكال التمييز المخلة والمعيقة لتقدم ونماء الدولة.
ولقد عبّر هذا الميثاق عن تطلعات هذه الفئة نحو التغيير، من خلال مجموعة من المبادئ والمطالب التي تؤكد على ضرورة القضاء على كل أشكال العبودية ومخلفاتها، وتطبيق القوانين الرادعة بشكل فعلي.
كما دعا الميثاق إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر توفير التعليم الجيد وفرص العمل اللائقة، بما يضمن تمكين أبناء لحراطين من المساهمة الفاعلة في بناء الوطن.
ولم يغفل كذلك عن أهمية التمثيل السياسي، حيث شدد على ضرورة إشراك هذه الفئة في مراكز صنع القرار، بما يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع الموريتاني، الذي ينبغي أن يكون تنوعه مصدر قوة لا معول هدم بفعل سياسات التمييز القبيحة التي انتهجتها الأنظمة السابقة.
ومن جهة أخرى، شكّل هذا الميثاق خطوة مهمة في مسار النضال الحقوقي، إذ أسهم في رفع مستوى الوعي الوطني والدولي بقضية لحراطين، ودفع نحو فتح نقاشات جادة حول سبل تحقيق الإنصاف والمساواة، كما ساعد في تعزيز روح التضامن بين مختلف مكونات المجتمع، على أساس أن العدالة لا تتجزأ، وأن تقدم أي مجتمع رهين بإنصاف جميع أبنائه دون استثناء.
ومما لا شك فيه أن هذه المضامين التي تأسس عليها ميثاق لحراطين من أجل رفع التهميش التاريخي عن أحفاد العبيد السابقين والمطالبة بعدالة اجتماعية حقيقية تنصفهم ضد التمييز والإقصاء والحرمان ومحاربة بقايا العبودية والإشراك في التمثيل داخل مؤسسات الدولة؛ كل هذه المطالب وجدت صدى من الاهتمام ومحاولة المعالجة؛ خاصة في السنوات الأخيرة، حيث حاول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذهاب أبعد من التقيد بمعالجة قضايا فئة محدودة إلى محاولة إحداث مصالحة وطنية مع جميع فئات المجتمع تجسد ذلك في خطاباته في مدائن التراث وفي لقاءاته مع المواطنين خلال زياراته التي تتواصل فيها القمة مع القاعدة، كزيارة النعمة وزيارة كيهيدي، وبالتالي قُطعت أشواطا كبيرة في معالجة المشكل الذي كان قائما قبل انبثاق هذا الميثاق المنادي بهذه الحقوق التي تحقق كثير منها بهدوء مما يستدعي إعادة النظر في بقائه على نفس الوتيرة، وفي ذات المنوال، وداخل نفس الدائرة.
وفي المقابل، يأتي ميثاق المواطنة المتكافئة برؤية أوسع وأكثر شمولًا، إذ لا يقتصر على فئة بعينها، بل يُخاطب جميع مكونات المجتمع الموريتاني، ويهدف إلى ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، ونبذ كل أشكال التمييز، وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال بناء دولة قائمة على الحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين، فهو يسعى إلى معالجة الاختلالات بشكل عام، دون التركيز على فئة محددة.
والمواطنة المتكافئة يمكن اعتبارها من الركائز الأساسية لبناء دولة عادلة ومستقرة، إذ تقوم على مبدأ المساواة بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز، فميثاق المواطنة المتكافئة يقوم على جملة من المبادئ الأساسية، من أبرزها المساواة أمام القانون، ورفض جميع أشكال التمييز على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء الاجتماعي، فالمواطن، بموجب هذا الميثاق، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيره، مثل الحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة السياسية.
ومن خلال مضامينه يدعو ميثاق المواطنة إلى تعزيز الوحدة الوطنية باحترام التنوع الثقافي والاجتماعي، واعتباره مصدر غنى لا سببًا للفرقة، ويؤكد كذلك على أهمية العدالة الاجتماعية، عبر توزيع عادل للثروات والفرص، بما يضمن تقليص الفوارق بين فئات المجتمع.
ومن جهة أخرى، لا يقتصر هذا الميثاق على الحقوق فقط، بل يشدد على الواجبات، مثل احترام القوانين، والمساهمة في تنمية الوطن، والحفاظ على السلم الأهلي، فالمواطنة الحقيقية تقوم على التوازن بين ما يطلبه الفرد من حقوق وما يقدمه لوطنه من واجبات.
وفي السياق العملي، يتطلب تطبيق ميثاق المواطنة إرادة سياسية صادقة؛ وهذه توفرت بوادرها في ظل قيادة الرئيس الحالي السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الذي دعا مرارا وتكرارا إلى تجاوز أخطاء الماضي، واعتبار قيمة المواطن من خلال ما يقدمه لوطنه، ودعم ذلك بإصلاحات قانونية تمثلت في تجريم كل ما يعيد الذاكرة إلى ممارسات التمييزالسابقة، وأنشأ محاكم لذات الغرض، ورصدت العقوبات الرادعة لذلك، وسخَّر مؤسسات تضمن المساواة الفعلية، سواء من خلال تمكين المواطن من حقوقه والدفاع عنها، من خلال إصلاح المنظومة القضائية أو من خلال محو الفوارق بالتآزر والرعاية الصحية الشاملة للفئات ذات الأولوية، ومد جسور الامتياز في التعليم إلى أبناء المشمولين في السجل الاجتماعي من ضحايا تاريخ التهميش ليلتحق ابناءهم بأبناء أصحاب الحظوة والتمكين في أرقى تجارب التعليم عندنا، كل ذلك إلى جانب تنشيط دور المجتمع المدني ليكون فعالا في نشر ثقافة المواطنة والتسامح.
ورغم هذا الاختلاف في النطاق، فإن هذين الميثاقين يلتقيان في عدة نقاط جوهرية، أبرزها الدعوة إلى العدالة والإنصاف، ورفض الإقصاء والتهميش، والسعي إلى إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي، مما يُظهر أن العلاقةبينها ليست علاقة تعارض، بل هي علاقة تكامل وتدرّج؛ إذ إن تحقيق العدالة لفئة لحراطين كما هو الحال لبقية الفئات الأخرى يُعدّ خطوة ضرورية في سبيل بناء مجتمع تسوده المواطنة المتكافئة، ومن ثمّ، فإن نجاح أي مشروع وطني في موريتانيا يظل رهينًا بقدرته على الجمع بين معالجة القضايا الخاصة وتحقيق المصلحة العامة، في إطار من الوحدة والعدالة والمساواة، وهذا ما وعاه فخامة رئيس الجمهورية وشدد على إنزاله على أرض الواقع من خلال البرامج التي تباشرها حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي وكل مؤسسات الدولة التي يُناط بها هم الوطن والمواطن من قريب أو من بعيد.








