غادرتُ البلاد سنة 1999، وقبل ذلك كنت قد أمضيت سنوات في العاصمة، شاهدت خلالها حضور الدولة في المجال العام؛ في الطرق، والمرافق، والخدمات، البنية التحتية. وخلال تلك المرحلة تشكل لدي، كما لدى كثيرين من أبناء جيلي، انطباع راسخ بأن الدولة محدودة الموارد وغير قادرة على إنجاز المشاريع الكبرى، وأن فكرة التحديث العمراني الواسع تتجاوز إمكانياتها الفعلية.
لم يكن ذلك الانطباع قائما على معطيات دقيقة تتعلق بحجم موارد الدولة أو قدراتها الكامنة، بقدر ما كان نتاجا مباشرا للمشهد العام الذي كنا نراه يوميا. فقد بدت الدولة آنذاك أقل حضورا من حجم التحديات، وبدا العجز وكأنه جزء من طبيعتها لا نتيجة لاختلالات في التسيير أو الفساد أو ضعف الحكامة. ولذلك لم يكن سقف أحلامنا مرتفعا، لأننا ببساطة لم نكن نتصور أن الدولة تملك القدرة أصلا على إطلاق وإنجاز تحولات كبرى.
ثم جاءت المرحلة الانتقالية بقيادة المغفور له اعل ولد محمد فال، وأعتقد اليوم أن أهم ما أنجز في تلك الفترة لم يكن فقط ما تحقق فيها ماديا من إصلاحات ، وإنما ذلك التحول النفسي العميق في نظرتنا إلى الدولة نفسها. فقد بدأت تتشكل قناعة جديدة مفادها أن المشكلة لم تكن في غياب الموارد ، بل في طريقة إدارة الإمكانيات، وأن الدولة، متى توفرت الإرادة والحد الأدنى من الانضباط، قادرة على إنجاز ما كنا نظنه مستحيلا.
كان ذلك التحول مهما لأنه أعاد بناء علاقتنا بقدرة الدولة، ورفع سقف توقعاتنا منها، ووسع مساحة أحلامنا التي لم نكن نعتقد سابقا أنها قابلة للتحقق.
وفي تقديري، أن البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة انواكشوط شكل قفزة جديدة في بناء هذا التصور المتعلق باستيعاب الوعي الوطني لقدرة الدولة على الإنجاز. فبعيدا عن النقاشات اليومية والتفاصيل التنفيذية، فإن القيمة السياسية الحقيقية لهذا المشروع تكمن في كونه يعيد ترسيخ فكرة ظلت غائبة لسنوات وهي أن الدولة قادرة ـ حين تتوفر الرؤية والإدارة والمتابعة ـ على إطلاق مشاريع حضرية كبرى، بتمويلات ذاتية، وفي آجال زمنية قصيرة.
ولهذا فإن هذا المشروع لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره برنامجا خدميا أو ورشة بنية تحتية، بل باعتباره أيضا مؤشرا على تطور نظرتنا الجماعية إلى الدولة وحدود قدرتها. لأن أخطر ما قد يصيب المجتمعات ليس ضعف الإمكانيات، وإنما اعتيادها النفسي على فكرة العجز، وفقدانها الثقة في إمكانية التغيير.
وإبان مشاريع كهذه ، يبرز في الواجهة صراع بين الرؤية الاستراتيجية الكبرى وبين قراءات مجتزأة تحاول تقزيم هذا التحول الكبير في "حفرة" هنا أو "حنفية" مكسورة هناك.
إن منهجية النقد الرصين تقتضي أولاً الإلمام بالتفاصيل المعقدة لمشروع بهذا الحجم. فمن يتصيدون العثرات الصغيرة يتناسون أننا بصدد "مشروع عصرنة" لا "مشروع تسليم مفتاح"؛ أي أننا نضع اللبنات الأولى والأساسية لمنهجية جديدة وجدية في بناء تطلعاتنا ومدى قدرتنا على تحقيق هذه التطلعات .
وأعتقد أن حاجتنا لبنية تحتية متكاملة (صرف صحي، شبكات طرق، تشجير، وتنظيم عقاري) في مدينة ظلت لعقود تنمو خارج نطاق السيطرة، ليست مجرد حاجة لبضعة كيلوميترات من الإسفلت يسلمها مقاول وتنتهي المهمة، بل هي حاجة لكسر أنماط وعينا بقدرتنا على تغيير شامل في نمط حياة المدن ومستقبلها الاقتصادي.
وبالنظر إلى المشروع ضمن المشاريع التنموية الكبرى والمتزامنة سوف ندرك أننا أمام نظام نجح في رفع مستوى التوقعات وسقف الطموحات .
وأمام حكومة استطاعت بذكاء أن تترجم رؤية وطموحات صاحب الفخامة إلى مشروعات كبرى وغير مسبوقة لا من حيث الحجم ولا الابتكار و في فترة وجيزة.
محمد افو
الأمين العام لحزب الكرامة








