حين يصبح الصمت واجباً / الشيخ ولد المامي

منذ أن اكتشف الرومان أن الجيوش تستطيع أن تصنع الأباطرة كما تستطيع أن تخلعهم، لم تتوقف الدول عن البحث عن المعادلة السحرية التي تجعل العسكري جندياً مطيعاً دون أن يتحول إلى عبدٍ فاقد للإرادة؛ ولم تجد البشرية حتى اليوم تلك الوصفة الكاملة.

لقد حاولت الإمبراطورية الرومانية حل المشكلة بالسيف، فكانت النتيجة أن الجيوش نصبت الأباطرة واحداً تلو الآخر.

وحاولت بعض الملكيات الأوروبية حلها بالعزلة الكاملة، فأنشأت طبقة عسكرية منفصلة عن المجتمع، لا تسمع إلا أوامر القصر، فكانت النتيجة انقلابات وثورات وحروباً أهلية.

أما الديمقراطيات الحديثة فقد سلكت طريقاً مختلفاً وأكثر تعقيداً؛ فقد منعت العسكري من استخدام القوة في السياسة، لكنها لم تمنعه من أن يكون إنساناً يفكر ويعبّر ويشارك في الشأن العام ضمن الحدود التي لا تهدد حياد المؤسسة.

ذلك أن الإنسان الذي يُطلب منه أن يموت دفاعاً عن وطنه لا يمكن في الوقت ذاته أن يُعامل باعتباره مجرد أداة صماء؛ إن الجندي ليس بندقية؛ والضابط ليس رتبة معلقة على الكتف؛ إنهما مواطنان قبل كل شيء.

لقد كان نابليون بونابورت يقول إن الجندي الفرنسي يحمل في حقيبته عصا المارشالية؛ وكان يقصد أن المؤسسة العسكرية تشكل أحد مسارات الترقي داخل المجتمع.

أما حين يتحول العسكري إلى كائن معزول عن مجتمعه، ممنوع من الكلام، ممنوع من الرأي، ممنوع من النقاش، حتى بعد خروجه من الخدمة، فإننا لا نكون بصدد حماية المؤسسة العسكرية بقدر ما نكون بصدد بناء سور عازل بينها وبين الأمة؛ والأمم لا تحميها الأسوار.

لقد سقط جدار برلين نفسه، بينما بقيت الأمم التي كانت تتجادل داخل برلماناتها وصحفها وجامعاتها.

يبدو مشروع القانون الجديد وكأنه ينطلق من فرضية قديمة جداً، مفادها أن الصمت يصنع الانضباط، لكن التاريخ يقول شيئاً مختلفاً؛ فالجيوش الأكثر انضباطاً في العالم لم تكن الجيوش الأكثر صمتاً.

كان الجيش البروسي يناقش، وكان الجيش البريطاني يناقش، وكان ضباط الولايات المتحدة يكتبون الكتب والمقالات والدراسات التي تنتقد الحروب نفسها التي شاركوا فيها.

ولم يؤد ذلك إلى انهيار تلك الجيوش؛ بل على العكس، جعلها أكثر قدرة على مراجعة أخطائها.

إن المؤسسة التي تمنع النقد كلياً تشبه ذلك الطبيب الذي يمنع المريض من وصف ألمه.

قد يبدو المشهد هادئاً لبعض الوقت، لكن المرض يستمر في النمو تحت الجلد.

ومن أغرب ما في المشروع أنه لا يكتفي بتقييد العسكري أثناء الخدمة، حيث يمد القيود إلى ما بعد انتهائها.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: متى يتوقف العسكري السابق عن كونه عسكرياً؟ بعد سنة؟ بعد عشر سنوات؟ بعد التقاعد؟ أم لا يتوقف أبداً؟

لقد خلع الجنرال الفرنسي شارل ديغول بزته العسكرية وأصبح سياسياً، ثم أصبح رئيساً للجمهورية.

وخاض الجنرال الأمريكي أيزنهاور السياسة حتى أصبح رئيساً للولايات المتحدة.

وكان ونستون تشرشل وزيراً للحربية ثم رئيساً للحكومة.

ولو كانت فكرة الحرمان الأبدي من العمل السياسي قائمة آنذاك لما عرف العالم كثيراً من رجالات الدولة الذين صنعوا تاريخه.

إن الخبرة العسكرية هي الخبرة الوطنية التي ينبغي الاستفادة منها، وليست وصمة يجب حجب صاحبها عن المجال العام.

أما الخطر الحقيقي فيكمن في العبارات الفضفاضة؛ فالتاريخ يعلمنا أن القوانين الدقيقة تحمي الحرية، بينما القوانين الغامضة تحمي التأويل.

ما معنى المساس بالروح المعنوية؟ وما معنى الإضرار بالهيبة؟ ومن يحدد أن رأياً ما أضر بالهيبة أو عززها؟

لقد كانت كل سلطة تقريباً، منذ فجر التاريخ، تعتبر النقد مساساً بالهيبة، وكان كل معارض تقريباً يتهم بأنه يضعف المعنويات.

حتى إن لينكولن نفسه تعرض أثناء الحرب الأهلية الأمريكية لانتقادات قاسية، ولم يخطر بباله أن يجعل من ذلك جريمة، كان يعرف أن هيبة الدولة القوية لا تقوم على إسكات الناس، بقد  ما تقوم على قدرتها على تحمل كلامهم.

لقد كان الكاردينال ريشيليو يقول: "أعطني ست كلمات كتبها أكثر الرجال براءة، وسأجد فيها ما يكفي لإعدامه"، وكان يقصد خطورة النصوص التي تسمح بالتأويل اللامحدود.

فإذا أصبحت عبارة "المساس بالهيبة" أو "التأثير على الولاء" مطاطة إلى هذا الحد، فإنها قد تتحول من وسيلة لحماية المؤسسة إلى أداة لإسكات كل رأي غير مرغوب فيه.

والقانون الجيد لا يكتب للملائكة، فهو يكتب للبشر.

ولذلك يجب أن يكون واضحاً بما يكفي كي لا يتحول تطبيقه إلى مزاج شخصي.

لا أحد يجادل في ضرورة حماية الأسرار العسكرية، ولا أحد يعترض على منع تسريب المعلومات الأمنية، ولا أحد يرفض واجب التحفظ في القضايا الحساسة؛ فهذه أمور بديهية في كل دول العالم.

لكن الخلط بين السر المهني والرأي السياسي يشبه الخلط بين الخزانة والضمير؛ الأولى ملك للدولة؛ أما الثاني فهو ملك لصاحبه.

لقد علمتنا التجارب الكبرى أن الدول القوية هي تلك التي تجعل التي تستطيع إدارة اختلاف الأصوات دون أن تخشى انهيارها،  فالدولة الواثقة من نفسها لا ترتعب من رأي متقاعد، ولا من توقيع جندي سابق على عريضة، ولا من مشاركة ضابط صف سابق في نقاش سياسي؛ لأن شرعيتها تستند إلى المؤسسات وليس إلى الصمت.

أما حين يصبح الصمت فضيلة سياسية عليا، فإن أول ما يختفي هو الحقيقة نفسها؛ والحقيقة، كما قال أرسطو "لا تظهر إلا عندما تتقاطع الآراء وتتدافع الحجج".

أما الصمت فلا ينتج سوى الصمت.

 

j