الحوار: عندما تنتقل المبادرة إلى مرحلة المسؤولية / محمد لحظانه

تكشف خارطة الطريق للحوار الوطني أن البلاد تجاوزت مرحلة التساؤل حول ما إذا كان الحوار سيُعقد، إلى مرحلة أكثر أهمية، وهي كيف يُدار الحوار، وكيف يُكتب له النجاح. وهذا في حد ذاته تطور سياسي يستحق التوقف عنده.

ومن الموضوعية الإقرار بأن أحدًا لا يستطيع أن ينازع في أن رئيس الجمهورية هو صاحب المبادرة، وأن الفضل في وصولها إلى هذه المرحلة يعود، في المقام الأول، إلى الإرادة السياسية التي تمسكت بخيار الحوار حتى أصبح مشروعًا وطنيًا ذا معالم واضحة. وحين تبلغ المبادرة هذا المستوى من النضج، فإنها تغادر ملكية صاحبها السياسية لتصبح مسؤولية وطنية يتقاسمها الجميع.

ومن هنا تبدأ المهمة الأصعب؛ فالحوار لا ينجح بمجرد انعقاده، ولا بجودة الوثائق المؤطرة له، وإنما بقدرة المشاركين فيه على الارتفاع فوق الاصطفافات التقليدية، والتعامل معه باعتباره فرصة لإنتاج حلول دائمة، لا منصة لإعادة تدوير الخلافات. ولذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الأغلبية والمعارضة معًا، ليكون أداؤهما في مستوى المبادرة، وفي مستوى ما ينتظره الموريتانيون من هذه اللحظة السياسية.

وفي المقابل، لا يبدو منصفًا استباق نتائج الحوار بالتشكيك في تنفيذ مخرجاته. فالمبادرة التي تُولد بإرادة سياسية على هذا المستوى، وتُقرن منذ البداية بآليات للمتابعة والتنفيذ، يصعب تصور أن يكون القصد منها مجرد إدارة اللحظة السياسية. والأصل في مثل هذه المبادرات أن تُمنح فرصة كاملة، وأن يُحاكم نجاحها أو تعثرها على ضوء ما ستنتجه من وقائع، لا على أساس افتراضات مسبقة.

ويبقى الرهان الذي لا يقل أهمية عن الحوار نفسه هو اختيار من سيتولى إدارته وتأطيره. فهذه ليست وظيفة سياسية، وإنما مسؤولية وطنية تستدعي شخصيات يلتقي الجميع على احترامها، عُرفت بالكفاءة، والنزاهة، والحكمة، والاستقلال، والقدرة على بناء الثقة بين المختلفين. فنجاح الحوار يبدأ، في كثير من الأحيان، من الثقة في من يديرونه.

إن المبادرات التاريخية لا يخلدها مجرد الإعلان عنها، وإنما يخلدها ما يصنعه الجميع منها. وإذا كان إطلاق الحوار يُحسب لصاحب مبادرته، فإن نجاحه سيُحسب لكل من ارتقى به إلى مستوى اللحظة، وجعل من التوافق قيمة وطنية، لا مجرد تسوية سياسية عابرة.

 

 

j