قرأت تدوينة الأخ محمد سالم ولد بوكه حول الحوار الوطني، وما تضمنته من حديث عن أدوار واسعة يُنتظر أن يضطلع بها الحوار، من التنمية والإصلاح وتعزيز الحكامة والشفافية، وصولًا إلى معالجة ما بات يُعرف بـ«الإرث الإنساني».
وقد يكون هذا مجرد فهم لما يمكن أن توحي به التدوينة، لا بالضرورة ما قصده كاتبها. غير أن هذا الفهم هو ما جعلني أختلف قليلًا مع هذه القراءة، لأنها تمنح الحوار، في تقديري، حمولة سياسية أكبر مما ينبغي.
فالقول بأهمية الحوار شيء، والنظر إليه وكأنه استحقاق تفرضه مرحلة استثنائية يمر بها البلد شيء آخر. وبين الأمرين مساحة تستحق بعض التأمل.
ذلك أن الدولة لا تبدأ مساراتها بالحوار ولا تتوقف عنده. فالتنمية ماضية، والإصلاح مستمر، والملفات الوطنية تُعالج ضمن سياسات وقرارات ومسارات قائمة، ويمكن للحوار أن يضيف إليها ويدعمها، لكنه ليس شرطًا لاستمرارها.
ومن هنا تحديدًا يمكن النظر إلى ما يُسمى بـ«الإرث الإنساني». فبصرف النظر عن اختلافنا في التسمية وبعض مضامين الملف، فإن الدولة تتعامل معه منذ مدة، ومسار معالجته سابق أصلًا على فكرة الحوار الوطني. ولذلك يصعب، في تقديري، أن نجعل من مخرجات الحوار شرطًا لمعالجة ملف بدأت الدولة التعامل معه قبل أن يُطرح الحوار أصلًا.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن بعض المظاهر المصاحبة للحوار قد تمنحه، من حيث لا نقصد، دلالة سياسية أكبر من حجمه الطبيعي. فاللقاء الذي جمع منسق الحوار بممثل الأمم المتحدة، مثلًا، يمكن أن يُقرأ من زاوية معينة وكأنه إشارة إلى ظرف استثنائي يمر به البلد ويجعل الحوار ضرورة تفرضها المرحلة، مع أن اللقاء في ذاته يمكن أن يكون مجرد تواصل طبيعي حول مسار الحوار.
والأمر نفسه ينطبق على التلويح بالمقاطعة من بعض الأطراف ؛ إذ قد يُقرأ أحيانًا وكأن غياب هذا الطرف أو ذاك سيُحدث في مسار الدولة أثرًا أكبر من حجمه الفعلي.
ولعل المسألة في النهاية ليست في الحوار نفسه، وإنما في الصورة التي نرسمها حوله. فكلما حمّلناه أكثر مما يحتمل، بدا وكأن الدولة تنتظر الحوار حتى تتحرك، بينما الواقع أن مساراتها قائمة ومستمرة.
لذلك، ربما يكون الأصح سياسيًا أن نضع الحوار في مكانه الطبيعي: أداة للتشاور والتفاهم، ورافدًا لمسيرة الدولة، لا عنوانًا تختزل فيه مسيرة الدولة كلها.
فالدولة لا تبدأ من الحوار، ولا تنتهي عنده؛ والتنمية والإصلاح ومعالجة الملفات الوطنية ماضية، بالحوار وبغيره.








