قديما قال سقراط: (تكلم حتى أراك) وفي هذه الكلمة الموجزة حكمة بالغة فالكلام هو المرآة الحقيقية التي تكشف جوهر الإنسان، وعقله وثقافته وأخلاقه، بغض النظر عن مظهره الخارجي أو هندامه، فالمرء كما قيل (مخبوء تحت لسانه)فبالكلام يعرف العاقل من الأحمق، والحكيم من الجاهل.
وما أعمق وأدلّ كلمة الفاروق رضي الله عنه حين قال: (أظل أهاب الرجل حتى إذا تكلم رفع نفسه عندي أو سقط من عيني) فاللسان ترجمان القلب، والمرء حيث هو موزون بأصغريه؛ قلبه ولسانه، ولقد أصبحت المرآة الكاشفة لهذين في أيامنا هذه تتجلى في مواقع التواصل الاجتماعي بدون منازع.
ومعروف أن مواقع التواصل الاجتماعي في كثير من البلدانتعتبر فضاء للتعبير وتبادل الآراء ومناقشة الشأن العام؛ لكنها في بلادنا تحولت في حالات كثيرة إلى ساحة مفتوحة تتداخل فيها حرية التعبير مع التشهير، والنقد مع التجريح، وكشف الملفات مع انتهاك الخصوصية، حتى أصبح عرض الإنسان وسمعته مادة سهلة للتداول والمزايدة والابتزاز.
لم تعد البذاءة الرقمية في بلادنا مجرد كلمات عابرة تُقال في لحظة غضب ثم تُنسى، بل أصبح المحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي قادراً على هدم السمعة في ساعات، وتحويل الخلاف الشخصي إلى قضية رأي عام، وتحويل الإشاعة إلى (حقيقة) في نظر آلاف المتابعين الذين تُهيِّجُ مشاعرهم الإثارة؛ قبل أن يصل الملف إلى القضاء الذي يملك الحق الحصري في إظهار البراءة أو إثبات الإدانة.
وهنا يجب أن تكون القضية واضحة: حرية التعبير ليست رخصة للقذف، وكشف الفساد ليس تصريحاً باقتحام أعراض الناس، والشهرة ليست مبرراً لتحويل حياة الآخرين إلى مادة للفرجة.
وما يثير القلق أن الحدود بين النقد والتشهير أصبحت، في كثير من الحالات شديدة الضبابية. فهناك مدونون يطرحون قضايا عامة ويكشفون وثائق تستحق التحقيق، وفي المقابل توجد محتويات تقوم على التجريح الشخصي والتلميحات المتعلقة بالشرف والحياة الخاصة وبين الطرفين تضيع الحقيقة.
قد نعتبر المدون عينا للمجتمع؛ لكنه لا ينبغي أن يُنصب نفسه محكمة متنقلة، وهنا لن نظلم جميع المدونين ونسوقهم بعصى نقدٍ واحدة، فلقد أتاح الفضاء الرقمي للمواطن الموريتاني قدرة لم تكن متاحة من قبل على تصوير الاختلالات، وطرح الأسئلة، ومناقشة أداء المسؤولين، وكشف ملفات قد تستحق التحقيق.
لكن المدون يفقد مشروعية دوره الرقابي عندما يتحول من ناقل للمعلومة إلى مصدر للحكم.
وبالتالي هناك فرق بين أن يقول: هذه وثيقة تحتاج إلى تفسير.
وبين أن يقول: فلان فاسد وسارق.
الأولى تفتح باب التحقيق، والثانية تصدر حكماً.
والفرق بين الجملتين ليس لغوياً فقط؛ بل أخلاقي وقانوني.
وحين تتحول المعلومة إلى ورقة ضغط ووسيلة لاستدرار الأعطيات عن طريق بنكيلي وأخواتها من المحفظات المالية الموجودة عندنا؛ هنا نصل إلى أخطر نقطة وهي الابتزاز الرقمي.
عندما يصبح صاحب منصة يقول لشخص ما، صراحة أو ضمنياً: ادفع، نفّذ طلبي، أو سأكشف عنك معلومات تسيء إلى سمعتك، فنحن لم نعد أمام ممارسة عادية لحرية التعبير.
وهذا النوع من السلوك، صارت الأصوات تتعالى بشأنه، وبالتالي يجب أن يُعامل باعتباره مسألة قانونية تستحق التوقف عندها.
ومن المؤسف أن أسماء معروفة في المهجر أساسا أصبحت حاضرة في سجالات رقمية حادة؛ ظهر من خلالها الابتزاز، والتخبط في طريقة رمي التهم، والخلط بين أطراف قضية ما، فتارة ينسبونها لفلان وتارة إلى علان مع أنها نفس القضية التي يحاولون من خلالها إثارة مشاعر المتابعين، بل الأدهى والأمر أنهم يأخذون مثلا حبة من أسرار العائلات والأسر ثم يبنون عليها قبة من التوقعات المتنافرة ويقدمونها على أنها حقائق مثبتة؛ دون أن يرِفَّ لأحدهم جفن وهم ينتهكون حرمة أعراض الناس التي صانها الشرع وحذر من الولوغ فيها وعبر عن ذلك بهذا اللفظ تشبيها بسلوك الكلب حقارة وقذارة!!.
خلاصة القول: إن معركة الأخلاق على الفضاء العام معركة مصيرية شاملة فالمشكلة ليست في هذا المدون أو ذاك، المشكلة هي الثقافة التي تجعل الإساءة مادة للضحك، والفضيحة مادة للمشاهدة، والاتهام مادة للشهرة، ومن هذا وذاك تُجمع الأموال الطائلة، وبالتالي نجد أنفسنا أمام منتفع لن يتخلى عن روافد انتفاعه مهما كان فسادها.
لكن إذا تركنا هذه الثقافة تتوسع، فقد نصل إلى مرحلة يصبح فيها أي مواطن معرضاً لمحاكمة إلكترونية ظالمة، لا يعرف من بدأها ولا كيف تنتهي.
أما إذا نجحنا في بناء ثقافة رقمية واعية، فسيتمكن المدونالجاد المتزن من أن يكون رقيباً لا مبتزاً، وللصحفي أن يكون محققاً لا مشهراً، وللمواطن أن يكون متابعاً لا جزءاً من حملة تنتهك أعراض الناس.
نحن لا ندعو إلى إسكات الصوت الرقمي بالمطلق؛ بل إلى تهذيبه وتقويته بالدليل.
فالحرية بلا مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، والمسؤولية بلا حرية قد تتحول إلى صمت ضار.
نريد حرية تقول الحقيقة، وقانون يحمي الكرامة، ومجتمع يرفض أن يجعل أعراض الناس ثمناً للمشاهدات.








