في مواجهة تداعيات الحرب على إيران، اتخذت حكومة بلادنا ، حتى الآن، جملة من الإجراءات الاستباقية في توقيت محسوب وبالمنسوب المطلوب، عكست قراءة هادئة للمخاطر وحرصًا على تحييد آثارها قبل أن تتسع. وقد تجسدت هذه المقاربة في تحركات مست جوانب حساسة، كضبط الأسواق وتأمين سلاسل الإمداد ورفع جاهزية بعض القطاعات الحيوية، إلى جانب خطوات في اتجاه ترشيد النفقات، من بينها مراجعة دعم المحروقات بما يخفف الضغط على الميزانية مع مراعاة التوازنات العامة، وكذلك اعتماد حظر جزئي لحركة السيارات اعتبارًا من منتصف الليل، بوصفه إجراءً يرمي أساسًا إلى ترشيد استهلاك المحروقات لا إلى التضييق على المواطن. وقد عكست هذه التدابير، في مجملها، إرادة سياسية جادة تُترجم نفسها إلى قرارات عملية، مدعومة بمستوى معتبر من التنسيق الحكومي الذي ضمن سرعة الاستجابة ونجاعتها.
هذا النهج يجد جذوره في تجربة قريبة، حين واجهت الدولة جائحة كوفيد-19 بمنطق استباقي مماثل، قائم على التدرج في القرار وتكييف الإجراءات وفق تطور المعطيات، مدعومًا بإرادة سياسية واضحة وتنسيق مؤسسي مكّن من الحد من الارتباك وضبط الإيقاع العام. واليوم، تتجدد هذه المقاربة في سياق أكثر تعقيدًا، بما يعكس قدرًا من النضج في أدوات التعاطي مع الأزمات، وإن ظل التحدي قائمًا في تحويل هذا التطور إلى أثر ملموس ومستدام ينعكس على استقرار الأسواق وطمأنينة المواطن.
ومع ذلك، فإن خطورة الأزمات الخارجية، في لحظات اشتدادها، لا تقل عن خطورة الفساد، بل قد تفوقها أثرًا واتساعًا بالنظر إلى سرعتها وقدرتها على إرباك التوازنات الاقتصادية والاجتماعية في زمن وجيز. وهو ما يجعل من الاستباق ضرورة لا تحتمل التأجيل، لكنه في الآن ذاته يفرض شرطًا مكمّلًا لا يقل أهمية: جودة التنفيذ وسلامته.
وهنا يتقدم التحدي الداخلي بوصفه المحدد الحقيقي لنجاعة السياسات. فبقدر ما تنجح الدولة في تقدير المخاطر الخارجية، يظل رهانها قائمًا على قدرتها على ضبط مسارات التنفيذ وسد منافذ الهدر. وفي هذا المستوى، يبرز الفساد لا كإشكال نظري، بل كعامل عملي يحد من فعالية السياسات ويُضعف أثرها على أرض الواقع.
ومهما قيل عن الجهود المبذولة في هذا المجال، سواء عبر تعزيز الترسانة القانونية أو من خلال تعدد أجهزة الرقابة—التي تُكلّف بدورها ميزانية الدولة مبالغ كبيرة—فإن النتائج، في كثير من الحالات، ما تزال دون المستوى المطلوب، بل ودون الحد الأدنى المنتظر. وهو ما يعكس فجوة قائمة بين وضوح النوايا وحدود الأثر، فجوة لا تُردم إلا بإرادة إصلاحية أكثر صرامة، تتجاوز النصوص إلى التطبيق، وتُفعّل أدوات الرقابة بفعالية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل لا يقبل الالتباس.
وفي هذا السياق، فإن أي تلويح بالاحتجاج على مثل هذه الإجراءات، أياً كان مصدره، يظل خارجًا عن السياق المطلوب في لحظات تستدعي تغليب منطق المسؤولية الجماعية، لا سيما حين تكون التدابير موجهة أساسًا لحماية التوازنات العامة وترشيد الموارد، لا للتضييق أو الإكراه. فمثل هذه المراحل تتطلب قدرًا أعلى من الوعي بطبيعة التحديات، وبأن نجاح السياسات مرهون بقدر من الانضباط والتفهم المشترك.
ومن ثم، فإن اكتمال جدوى الإجراءات الاستباقية يظل رهينًا بتكامل عنصرين لا ينفصلان: يقظة في مواجهة الخارج، ونزاهة في إدارة الداخل. وعندما تلتقي الإرادة السياسية بالتنسيق الحكومي الفعّال، وتُستكمل بمحاربة حقيقية للفساد، تصبح الدولة الموريتانية أقدر على عبور الأزمات، لا فقط بتقليل كلفتها، بل بتحويلها إلى فرصة لتعزيز مناعتها وترسيخ ثقة مواطنيها.








