نهج غزواني في تسيير العلاقات الخارجية/ عثمان جدو

تنحو السياسة الموريتانية في السنوات الأخيرة منحى يُظهر يوما بعد يوم قدرا كبيرا من الحكمة في تسيير العلاقات الخارجية؛ حيث اتسمت بالاعتدال والتوازن والبراغماتية، بعيدًا عن التوترات والصراعات الإقليمية، ويعكس هذا المسار الهادئ وجود شخصية مُتَّزنة وقادرة على التحكم في الانفعالات، وهي سمة يُقدّرها القادة في العلاقات الدولية، حيث تُبنى القرارات الكبرى على التعقل لا التسرّع، فالقائد الذي يتحدث بهدوء ويستمع أكثر مما يتكلم، يُنظر إليه كشريك موثوق يُمكن التفاهم معه. 

وهذا النهج الهادئ والمتزن؛ هو ما يميز الحكمة التي تُدار بها البلاد الآن إذ يعتمد الغزواني على الدبلوماسية الناعمة بدل التصعيد، فيتعامل مع مختلف القضايا الدولية بروح الحوار والتفاهم، مما أكسب موريتانيا احترامًا متزايدًا على الساحة الدولية، وهذه الصورة تعكسها طريقة التعامل مع استفزازات بعض دول الجوار بأسلوب طائش، قابله الرئيس بحكمة ناضجة.

ومن نافلة القول إن شخصية القائد تُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاحه داخليًا وخارجيًا، إذ لا تقتصر القيادة على اتخاذ القرارات فحسب، بل تشمل أيضًا أسلوب التعامل وطريقة التواصل مع الآخرين.

وفي عالم تسوده التوترات والتحديات، يبرز الهدوء كصفة نادرة ومُؤثرة في كسب الثقة والاحترام، ومن هذا المنطلق، يُعدّ هدوء محمد ولد الشيخ الغزواني وحكمته في تقدير المواقف من أبرز السمات التي أسهمت في تعزيز مكانته على الساحة الدولية. 

كما تتجلى هذه الحكمة في تنويع الشراكات الدولية، حيث لم تقتصر علاقات موريتانيا على طرف واحد، بل عملت على تعزيز التعاون مع دول متعددة مثل فرنسا وإسبانيا، والمحيط الإفريقي والعمق العربي إلى جانب الانفتاح على شركاء جدد في مختلف بقاع العالم، بما يخدم المصالح الوطنية ويقلل من التبعية.

ومعلوم أن الدبلوماسية الحديثة تنسجم مع الهدوء والتفاوض الناعم أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما يجعل حضور القائد الذي يتشبع بهذه المميزات في اللقاءات الدولية مقبولًا ومريحًا، خاصة عند التعامل مع قضايا معقدة كالأمن في منطقة الساحل، مثلا؛ التي تحيط بنا وتفرض علينا التفكير دوما بما يقتضيه لزوم العيش المشترك أو التعاون الاقتصادي الدولي الذي هو الشغل الشاغل لكل دول العالم.

وهذا النهج القويم يُساهم لا محالة وبشكل كبير في تعزيز صورة موريتانيا كدولة مُستقرة ومُتزنة، وهو أمر مهم في كسب ثقة الشركاء الدوليين وجذب الاستثمارات والدعم،فالسياسة الناجحة تعمل على تحقيق التوازن بين المصالح الداخلية والخارجية، بحيث تُسخّر العلاقات الدولية لخدمة التنمية الاقتصادية المحلية وجلب المنافع، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.

ومما لا شك فيه أيضا أن طريقة التسيير التي اعتمدها غزواني كفلسفة راسخة لديه أظهرت التركيز على البعد الأمني والاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل، حيث تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم، دون الانجرار إلى سياسات المواجهة الحادة؛ مع عدم اغفال أهمية مسايرة ذلك بمفاتيح التنمية؛ كضامن أساسي لترسيخ الأمن الفعال والمؤثر، تأثيرا إيجابيا ينفع الناس ويمكث في الأرض.

بالإضافة إلى ما تقدم حمل تصريح محمد ولد الشيخ الغزواني في دكار رسائل دبلوماسية نموذجية مُؤكدة على ما سبق ومن ذلك أنه (لا يمكن تحقيق الاستقرار بالاقتصار على المقاربة الأمنية) ويعكس هذا الموقف إدراكًا عميقاً بأن الأزمات في منطقة الساحل ليست أمنية فقط، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية.

فالفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، كُلها تُغذي بيئات الهشاشة التي تستغلها الجماعات المتطرفة، لذلك، فإن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها قد يحدّ من التهديد مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور المشكلة بشكل نهائي.

وفي الجانب الآخر من هذه المعالجة يلزمنا أن نُشير إلى أن هذا النهج الرزين الذي رسم ملامح تسيير غزواني للسياسة الخارجية، وكذا القضايا الوطنية، وجد سندا قريبا، قويا،وعونا سديدا، تمثل فيما لعبته وتلعبه السيدة الأولى مريم منت الداه إلى جانب زوجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كعامل داعم وإيجابي في عدة مجالات، ولأن السيدة الأولى في أي دولة تلعب دورًا رمزيًا وإنسانيًا مهمًا، يتجاوز البروتوكول العادي إلى الإسهام في دعم صورة الدولة وتعزيز جهود القيادة السياسية، فقد برز دور منت الداه جليا في الأمور التالية:

أولًا: الدعم المعنوي والسياسي: إذ تُعد السيدة الأولى سندًا معنويًا للرئيس، حيث ظهرت خلال الزيارات الرئاسية بصورة مُتزنة ومحافظة تعكس القيم الثقافية الأصيلة والنظيفةللمجتمع الموريتاني، وما ذلك إلا من طيب منبعها، وطبعا ماء العود من حيث يعصر؛ ولقد ساهمت بذلك في تعزيز حضوره الاجتماعي والإنساني، وهي عندما ترافقه في بعض الأنشطة الرسمية، تُعطي صورة ناصعة عن التماسك والاستقرار داخل مؤسسة الرئاسة، وهذا الظهور المتوازن يعكس انسجامًا ينعكس إيجابيًا على ثقة المواطنين، ويُساهم أيضا في تقديم صورة إيجابية عن البلاد لدى الرأي العام الدولي.

ثانيًا: العمل الاجتماعي والإنساني: لقد عُرفت السيدة الأولى بانخراطها الدائم في مجالات اجتماعية كثيرة مثل دعم الفئات الهشة، والعناية بالمرأة والطفل، وتشجيع العمل الخيري، وتبني قضايا أصحاب الهمم، كل هذه الجهود تُكمّل السياسات الحكومية وتُضفي عليها بُعدًا إنسانيًا، مما يقرب الدولة من المواطن ويُحسن صورتها في ذهنه.

ثالثًا: تحسين صورة موريتانيا خارجيًا: فمن خلال مشاركاتها في الأنشطة الدولية واستقبالها لشخصيات أجنبية، تساهم السيدة الأولى في تقديم صورة إيجابية عن موريتانيا، تعكس قيم التضامن والانفتاح، وتدعم الدبلوماسية الناعمة التي تسعى الدولة إلى إظهارها كخيار آمن وفعال، ومنهج مُؤثر يصلح به ما أفسده غيره من الخيارات الخشنة، أو المتهورة.

رابعًا: تعزيز قضايا المرأة: حيث يُشكل حضورها فرصة لإبراز دور المرأة الموريتانية الريادي، وإيجابيتها المميزة في المجتمع، والدفع نحو تمكينها في مختلف المجالات، سواء عبر التوعية أو دعم المبادرات النسوية ورعايتها، والانخراط الفعال في إنجازها.

أخيرا يمكن القول إن دور السيدة الأولى مريم منت الداه يتكامل مع جهود الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث يُضيف بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا للسياسات العامة، ويُساهم في ترسيخ صورة إيجابية عن الدولة داخليًا وخارجيًا، وهو ما يجعل هذا الدور عنصرًا مهمًا في دعم القيادة وتعزيز حضورها، وبالتالي فإن دور السيدة الأولى لم يكن يوما شكليًا، بل ساهم فعليًا في دعم صورة موريتانيا كدولة مستقرة، متضامنة اجتماعيًا، ومنفتحة على العالم، وذلك من خلال توظيف “القوة الناعمة” إلى جانب الجهود السياسية للرئيس.

 

j